الشيخ محمد علي طه الدرة

503

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

فإنّا وإن عيّرتمونا بقتله * وأرجف بالإسلام باغ وحاسد سقينا من ابن الحضرميّ رماحنا * بنخلة لمّا أوقد الحرب واقد دما وابن عبد اللّه عثمان بيننا * ينازعه غلّ من القدّ عاند يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ : تقدّم الكلام على هذا فيما مضى . قِتالٍ فِيهِ المعنى : يسألك أصحابك يا محمد عن القتال في الشهر الحرام ، أيحل لهم القتال فيه ؟ فقوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ يدل على الاستفهام ، كما قال امرؤ القيس في معلقته رقم [ 81 ] : [ الطويل ] أصاح ترى برقا أريك وميضه * كلمع اليدين في حبيّ مكلّل قُلْ لهم : القتال فيه أمره كبير ، ووزره عظيم ، ولكن هناك ما هو أعظم ، وأخطر ، وهو ( صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) أي : الإعراض عن دين اللّه . هذا ، و ( صَدٌّ ) مصدر : صد ، يصد من باب : قتل ، وله مصدر آخر : صدود . قال تعالى : رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً رقم [ 61 ] من سورة ( النّساء ) ومضارعه : يصدّ . وَكُفْرٌ بِهِ : باللّه . وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي : ومنع ، وصدّ عن بيت اللّه ، كما فعل كفار قريش مع المسلمين . وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ . . . إلخ ، أي : إخراج الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأصحابه من المسجد الحرام أَكْبَرُ وأعظم عند اللّه ممّا فعلته سريّة عبد اللّه بن جحش ، وأصحابه - رضي اللّه عنه - . من قتل ابن الحضرمي ، وأسر رفيقيه . . . إلخ وكان ذلك على سبيل الخطأ ، وعدم التحقّق من الشّهر الحرام ، ولا تنس تعذيب المشركين للمستضعفين المسلمين ، فإنّه أشدّ قبحا ، وأشنع فعلا من قتل واحد في الشّهر الحرام . والعندية هنا مجاز ؛ لأن اللّه تعالى لا يحويه مكان ، ولا يحيط به . وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ : والشرك أكبر ، وأعظم من قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام . وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ . . . إلخ ؛ أي : هم مستمرون على عداوتكم ، وقتالكم إلى أن يردّوكم إلى الشّرك ؛ إن قدروا على ذلك ، ولن يقدروا بتوفيق اللّه لكم ، وحفظه ، ورعايته لكم . والخطاب للمسلمين ، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب ، كما يكون الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، ومن المفرد إلى الجمع ، وبالعكس . وانظر الآية رقم [ 131 ] . وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ قيّد الردّة بالموت عليها بعد أن يستتاب ، فإذا لم يرجع ؛ يقتل . قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « من بدّل دينه ؛ فاقتلوه » . والمعنى : من خرج من الإسلام إلى الكفر ؛ فاقتلوه ، وأما من خرج من كفر إلى كفر ؛ فلا سلطان عليه لأحد . والكلام على المرتد وعلى مآله طويل في كتب الفقه ، وإذا أخذنا بأحكام الشريعة في هذه الأيام ؛ نجد الألوف بل الملايين من أبناء المسلمين مرتدّين ، ولا حول ولا قوّة إلا باللّه ! هذا ؛ وقرئ الفعل : يَرْتَدَّ في سورة ( المائدة ) رقم [ 54 ] بالفك ، والإدغام .